محمد متولي الشعراوي
9647
تفسير الشعراوي
وفرعون الكافر الذي ادَّعَى الألوهية ، لم يستطع أن يمنع زوجته من الإيمان ، وهي قالت : { رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين } [ التحريم : 11 ] . إذن : ما يعنينا في قصة « ذي القرنين » أن الله مكَّن له في الأرض وأعطاه كُلَّ أسباب القوة والسيطرة ؛ لذلك ائتمنه أنْ يكونَ ميزاناً للخير وللحق ، وفوَّضَهُ أن يقضي في الخَلْق بما يراه من الحق والعدل . { حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يا ذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } [ الكهف : 86 ] . لأننا مكَّنَّاه وفوَّضناه ، فاستعمل التمكين في موضعه ، وأخذ الأمانة بحقَِّها ، فقال : { أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } [ الكهف : 87 ] أي : نُعذِّبه على قَدْر مقدرتنا ، ثم يُرَدُّ إلى ربه فيُعذِّبه على قَدْر قدرته تعالى . { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } [ الكهف : 88 ] وهكذا يكون دستور الحياة من الحاكم الممكَّن في الخَلْق ، دستور الثواب والعقاب الذي تستقيم به أمور البلاد والعباد ، فحين يرى تقصيراً لا بُدَّ أنْ يأخذ على يد صاحبه مهما تكُنْ منزلته ، لا يخافه ولا ينافقه ولا يخشى في الله لومة لائم ، وإنْ رأى المحسن المجتهد يُثيبه ويكافئه . وهذا القانون نراه في مجتمعنا يكاد يكون مُعطّلاً بين العاملين ، فاختلط الحابل بالنابل ، وتدهورتْ الأمور ، ودخلت بيننا مقاييس